السيد عبد الأعلى السبزواري
316
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
المؤمنين به علو الذكر وحسن المآب ، ثم ختم عزّ وجلّ بأن خلق عيسى كخلق آدم وأنهما خلقا بالأمر التكويني الخارق للعادة ، واعتبر أن ذلك هو الحقّ ، وغير ذلك من الدعاوي هي الباطلة . وأوجز سبحانه في هذه الآيات القصص بما يؤدّي المطلوب منها في المحاجّة مع وفد نجران حين قدموا المدينة ، وذكر بعض الخصوصيات في مواضع أخرى من القرآن الكريم . التفسير قوله تعالى : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ . مادة ( حسس ) تدلّ على الإدراك بالمشاعر الحسيّة ، كالعين والاذن والأنف واللسان واليد - ويقابله الدرك العقلي ، أي ما يدركه الفكر ، قال تعالى : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [ سورة مريم ، الآية : 98 ] ، وقال تعالى : فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا [ سورة الأنبياء ، الآية : 12 ] ، وقال تعالى : حكاية عن يعقوب يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ [ سورة يوسف ، الآية : 87 ] ، أي اطلبوه عن طريق الحسّ ، وفي الحديث : « ان الشيطان حساس لحاس » ، أي شديد الحس والإدراك ، وفي الحديث أنه صلّى اللّه عليه وآله : « كان في مسجد الخيف فسمع حسّ حية » ، أي حركتها وصوت مشيها . وإنما عبّر سبحانه وتعالى ب ( أحس ) مع أن الكفر من الأمور المعنويّة ، لبيان أن كفرهم بلغ مبلغا حتّى تعلّقت به الحواس الظاهرة ، فيكون استعارة بليغة ، كما في قوله تعالى : فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ [ سورة الأنبياء ، الآية : 12 ] . والمعنى : فلما عرف عيسى من بني إسرائيل الكفر وعلم منهم العناد واللجاج ، وأنهم قصدوا إيذاءه مع وضوح تلك الآيات الباهرات التي عرفوها منه ، دعا